الشيخ عبد الغني النابلسي
69
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
[ الأنعام : 165 ] وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [ الحديد : 7 ] والخطاب كله للإنسان الكامل ( من أجعل هذا ) ، المعنى المذكور وهو كونه ختم به على خزائنه ( لأنه ) ، أي الإنسان الكامل هو ( الحافظ خلقه ) ، أي خلق اللّه تعالى بظهور اسم اللّه تعالى الحفيظ فيه ( كما يحفظ الختم الخزائن ) ، إذا طبع به على الشمع الموضوع فوق القفل ونحوه فلا يجسر أحد أن يحتال لفتح ذلك القفل خوفا من تغير صورة ذلك الطبع في الشمع فيشعر الملك بذلك . ( فما دام ختم الملك عليها ) ، أي على تلك الخزائن ( لا يجسر أحد على فتحها ) ، بفك ختمها ( إلا بإذنه ) وكذا هذا ( فاستخلفه في حفظ العالم ) جسمانيّه بجسمانيّه روحانية بروحانيه ( فلا يزال العالم محفوظا ) لا يقدر أحد على فتح خزائنه شيء من الأشياء واستخراج ما فيها من الأسرار إلا باستئذان الملك وفك هذا الختم وهو مفتاح كل خزانة مقفلة والمفتاح لا يفتح بغير يد محركة ، واليد المحركة إنما تتحرك باللّه تعالى ، فالفاتح هو اللّه لا غيره ( ما دام فيه ) ، أي في هذه العالم ( هذا الإنسان الكامل ) المذكور . ( ألا تراه إذا زال ) ، بالانتقال إلى عالم الآخرة ( وفكّ ) ختمه ( من خزانة الدنيا ) قامت الساعة وخربت الدنيا ( ولم يبق فيها ) ، أي في الدنيا ( ما اختزنه ) ( الحق تعالى فيها ) ، من الحكم الإلهية والأسرار الربانية الظاهرة في صور السماوات والأرض وما بينهما ( وخرج ما كان ) موجودا ( فيها ) من المواليد الأربعة : الجماد والنبات والحيوان والإنسان . وكذلك الملك والجني إلى عالم الآخرة فحشرت إلى ربها كما قال تعالى : وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [ التكوير : 5 ] . وفي الحديث يشهد للمؤذن مد صوته من رطب ويابس وقال تعالى : وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [ غافر : 51 ] ، فالحشر عام في كل شيء ( والتحق بعضه ) ، أي بعض ما كان فيها من ذلك ( ببعضه ) ، فالتحق الجماد والنبات والحيوان بالتراب حتى يقول الكافر يومئذ : يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [ النبأ : 40 ] ، والتحق الإنسان والجني حيث غلب فيهما الجزء الناري بالنار وحيث غلب فيهما الجزء النوري بالنور وهو الملك ، ثم التحق النور بالإنسان الكامل وظهرت حقيقة ختمه للعالم النوراني . ( وانتقل الأمر إلى الآخرة وكان ختما على خزانة الآخرة ) ، فبنوره على خزانة العالم النوري وبناره على خزانة العالم الناري والنار نور متراكم وهو شوق الإنسان الكامل إلى ربه في وقت زيادة قربه ، والشوق شيئان لذة وألم فاللذة في الجنة والألم في النار ( ختما أبديا ) لا نهاية له وقد ظهر سر هذا الختم على خزانة الآخرة في الدنيا كما قال تعالى : كانَ النَّاسُ [ البقرة : 213 ] ، أي المكلفون وغيرهم أُمَّةً واحِدَةً